"الغريب في هذا الاتفاق الثلاثي بالشكل الأحادي بالمضمون التغييب الكامل لاتفاقية الهدنة" .
- "على سبيل التذكير فإن اتفاق الهدنة أساس في العلاقات بين الدولة اللبنانية وإسرائيل. كما هو جزء لا يتجزأ من اتفاق الطائف، وقد ذكره خطاب القسم وأكد عليه البيان الوزاري".
-"لن أكون جزءاً من ائتلاف لإسقاط الاتفاق. مستعد لمساعدة الدولة إن أرادت إعادة النظر فيه".
هذه هي المواقف التي أطلقها الزعيم الوطني وليد جنبلاط تعليقاً على "اتفاق الإطار" الموقّع بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. فأين وجوه الخطورة فيها والخروج على التزامات الدولة باتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري لتشنّ حملة مدروسة مركّزة ضده وتطلق دعوات لفرض عقوبات ومواقف تتجاوز كل حدود المنطق والعقلانية والحكمة؟ وصل بعضهم إلى حد القول: "كوّع وليد جنبلاط. خرج عن التحالفات. عاد إلى 8 آذار". هذا إفلاس سياسي واندفاع غير مدروس وغير محسوب النتائج وإدارة خاطئة كي لا أقول أكثر للدفاع عن الإطار المذكور، بل هو خروج عن المسار الصحيح في عملية الدفاع ولا يخدم الدولة ولبنان وليس ثمة أسهل من اعتماد هذه الأساليب للهروب من الوقائع والحقائق بوهم اعتقال الذاكرة وتكريس "الهذيان" السياسي بدلاً من تشخيص الحالة "صح" لتشخيص الحل الصح. في كل الأحوال، ومع الاحترام والتقدير لحق أصحاب هذا النهج في التعبير عن آرائهم ومن موقع الشراكة في الانتماء، أذكّر من نسي ومن تناسى عن قصد بالنقاط التالية:
1 - إن أول من تبنّى فكرة التفاوض كان وليد بك وقال أكثر من مرة: "أنا مع الرئيس. أؤيد خطوة التفاوض. ولا أقبل تشكيكاً أو تخويناً". وانفتح على النقاش وقدّم ملاحظات ثم ذهب يراقب مسار الأمور.
2 – أمّا حكاية التحالفات و 8 آذار، مساكين الذين يقولون هذا الكلام. أكرر دائماً لا تحالفات سياسية في لبنان. ثمة تقاطعات في مواقف. تفاهمات في أخرى. وأنا كنت من دعاة حوار وطني في بعبدا ليس حول طاولة واحدة يصعب انعقادها بل على طريقة مشاورات يجريها الرئيس مع أصحاب الشأن والمعنيين بالقرار وأصحاب الخبرات والكفاءات والاختصاصات في مجالات التفاوض وله أن يستخلص بنتيجتها الخيار والقرار اللازمين في إدارته. لكن الذين يعودون الى 8 آذار فهم يستخفّون بعقول الناس. أين 8 آذار؟ من هي؟ ما هي؟ وقبل أن نتحدث عن تكويع وليد جنبلاط في هذا الاتجاه، أين نبيه بري الركن السياسي بل الواجهة السياسية الرسمية الأهم لفريق كبير كان يسمى 8 آذار؟ الرجل صوّت على كل قرارات الحكومة المتعلقة بحزب الله وبحصر السلاح بيد الدولة وانفتح بإيجابية على كل الأفكار المطروحة مبدياً ملاحظاته. رفض الدعوة لإسقاط الحكومة في ردّ مباشر على الشيخ نعيم قاسم والنزول إلى الشارع داعياً إلى عدم الانجرار إلى الفتنة ومحذراً من خطر ذلك على الوحدة الوطنية.
أين رموز كانت في 8 آذار من الجنوب الى الشمال والبقاع؟ أليست في مواقع أخرى وإن كان بعضهم قد تردّد في التعليق على "اتفاق الإطار" أو علّق بطريقة هادئة مخالفة لأسلوبه القديم ولا ترقى إلى مستوى التزامه الجديد؟
هل الرئيس فؤاد السنيورة كان في 8 آذار ويريد إحياءها اليوم وهو الذي طرح أفكاراً وأسئلة وما سمّاه "الشوائب" التي تضمنها الاتفاق داعياً إلى معالجتها مؤكداً أن لبنان لا يحتمل الشروط التي وردت فيه مشيراً إلى عدم ذكر اتفاق الهدنة والانسحاب الإسرائيلي والقرارات الدولية بل الالتزام بـِ "وقف أي إجراءات في المحافل السياسية أو القانونية الدولية" داعياً إلى تحصين الوفد المفاوض بخبراء وطاقات وكفاءات قادرة على مقارعة الإسرائيلي، وغيرها وغيرها من الملاحظات.
وهل الدكتور كريم بيطار رئيس قسم العلوم السياسية والباحث الأكاديمي في الجامعة اليسوعية على سبيل المثال لا الحصر بما طرح من ملاحظات كان ينتمي إلى 8 آذار أو يريد العودة إليها أو يعرقل مسار الدولة لاستعادة القرار ولبسط سلطتها على كل الأراضي اللبنانية؟
والأهم من كل ذلك ما أعلنه رئيس محكمة العدل الدولية السابق، ورئيس الحكومة الحالي من تمسّكه باتفاق الهدنة والحدود الدولية وحق مقاضاة إسرائيل بعد توقيع اتفاق الإطار معها يشكّل إدانة لوليد جنبلاط أم تأكيداً لوجهة نظره؟ فلماذا لم يؤخذ بها ولم يتم تأكيد هذا الموقف في الاتفاق؟ هل سقط الأمر سهواً؟ المهم تصحيح المسار كما قال وليد بك ومعالجة الشوائب كما قال الرئيس السنيورة.
3 – أما إيران. هل تناسى منظمو الحملة المذكورة أن وليد جنبلاط أطلق سلسلة من التصريحات ترفض دور إيران وربط حساباتها بلبنان، وانتقد مواقف الشيخ نعيم قاسم "الذي يتحدث باسم إيران" على حد قوله ؟ والأهم الأهم: ما علاقة وليد جنبلاط بالاتفاق مع إيران ووضع لبنان بنداً أول فيه؟ وقد طلب الرئيس ترامب إلى إسرائيل الالتزام بعدم قصف الضاحية والانضباط للوصول إلى الاتفاق النهائي؟ وفي الساعات الماضية أعلن نتانياهو أنه طلب عدم تنفيذ عملية "علي الطاهر" بناء لطلب الرئيس ترامب كي لا تتأثر المفاوضات لتطبيق الاتفاق؟ والتفاوض مع إيران حول لبنان يؤكد الربط الكامل بين الوضعين اللبناني والإقليمي، ونظرية الفصل بين ما يجري في لبنان والمنطقة لا مكان لها. هذا هو تاريخ لبنان وهذه هي الجغرافيا ومعها لعبة الأمم وثمة في الأفق ملامح حروب جديدة في المنطقة سيتأثر بها لبنان. وخلال مناقشتها مع أحد الدبلوماسيين الأوروبيين المخضرمين قال: "أعتقد أن المسؤولين في لبنان اضطروا إلى توقيع الاتفاق لأنهم غير قادرين على قول "لا" لترامب، لكنهم يدركون أن الاتفاق لا يطبق "! نتمنى أن يقرر لبنان وحده وألا يكون تدخّل من قبل إيران أو غيرها. لكن لا يجوز تصرّف بعض متعاطي السياسة اللبنانية الذين نحترم موقعهم عندما ينطلق موقفهم من: لا لأي إيجابية تأتي من إيران حتى لو كان البديل القبول بشروط إسرائيل "لأن المعادلة تغيرت". هذا أمر خطير. فرئيس الجمهورية رغم اندفاعته للتفاوض ودفاعه عن "اتفاق الإطار" وإصراره على الاستمرار في المسار ذاته يقول: "نرحب بكل مساعدة من أي جهة ولكن دون تدخّل في شؤوننا". ووليد جنبلاط ليس ضد هذا المبدأ على الإطلاق. أما تغيير المعادلات فيجب أن يتذكر أصحاب هذه النظرية كل مواقفهم السابقة وكم من مرة تجاوزوا هذا التغيير ولم يتصرفوا بحكمة وعقلانية معه! ولو كسرت إيران لما كان ثمة نقاش اليوم. لم ينجح ترامب ونتانياهو في ذلك! قد تتجدّد الحرب، لا شيء يمنع، وللرئيس ترامب حساباته وطريقته في المناورة والتفاوض لكننا نتحدث عن الحاضر!
4 – يبقى قميص "17 ايار" الذي يلتحف به بعض الذين أيدوه واعتبروا أن حلمهم قد تحقق وخُذلوا عند إسقاطه فعلّقوا بسذاجة على موقف وليد جنبلاط في مقارنته بين الاتفاق القديم والاتفاق الجديد، ولو اعتبر البعض أن الجديد ليس اتفاقاً منجزاً متناسياً أنه بالنسبة لإسرائيل عندما تأخذ شيئاً تبدأ جولات تفاوضها اللاحقة من النقطة التي وصلت إليها. وثمة من قال إذا كان اتفاق 17 أيار سيئاً فالاتفاق الجديد أسوأ ومن أسقط الأول لن يهلّل للثاني ليقبل به فكيف إذا كان يشكك بإمكانية تطبيقه من قبل كثيرين لم يكونوا في موقع جنبلاط الذي يعرف أن الظروف تغيرت والمعادلات تغيرت وموازين القوى انقلبت لكن ذلك لا يؤدي إلى قبول أي أمر يمكن أن يهدد مصير لبنان بوحدته وحدوده مؤكداً أنه لا يسعى لإسقاطه ومعلناً الاستعداد للمساعدة لإعادة النظر فيه.
وهل سمع هؤلاء سفير إسرائيل في واشنطن يقول منذ أيام: "جوهر الاتفاق مع لبنان هو نزع سلاح حزب الله وليس الانسحاب من الجنوب "! وسبقه نتانياهو إلى القول: هناك عناصر جهادية داخل الجيش اللبناني. عليه إجراء تغييرات في صفوفه والحكومة اللبنانية مطالبة بالتعامل مع هذا الأمر وسنختبر ذلك على أرض الواقع". فهل هذا يقوي الجيش المحروم من أي مساعدة أم يضاعف الأثقال عليه وعلى مهمته ويوتّر الأجواء في البلاد مع إصرار الاحتلال على عدم الانسحاب؟
5 – في متابعة لمواقف بعض رموز السياسة وانتقادهم الذين رفضوا "اتفاق الإطار" تعميم في إطلاق نعوت واتهامات غير مقبولة. التعميم فيه تسميم وتعتيم وتسليم مسبق. وهذا أمر لا يجوز ويسيء أولاً لأصحابه إذا كانوا يدركون وينبغي الإقلاع عنه. أما وليد جنبلاط فهو يحدّد خياره وقراره ومساره وبيكاره ويتعلّم كل يوم. ينتقد أسلافه ونفسه بشجاعة أدبية ووضوح وليس أسير أوهام وتمنيات في التحليلات.
إذا صمت قالوا: ماذا يخبئ ؟
وإذا نشر صورة قالوا: ماذا يريد؟ من المقصود؟ ما هو المغزى؟
وإذا قال كلمة انشغل كثيرون في الداخل والخارج وأخطأ كثيرون في قراءتهم ولا يتعلّّمون. نعم لوحدة موقف وطني جامع ندعو ونسعى إليه.